الشنقيطي

85

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

على التصرف في ملكه يوجد ما يقدره . والمهيمن : يسير ما يوجده على مقتضى ما يقدره . والذي قدر فهدى ، العزيز الذي لا يقهر الجبار الذي يقهر كل شيء لإرادته ، وتقديره ، ويخضعه لهيمنته . المتكبر الذي لا يتطاول لكبريائه مخلوق ، وأكبر من أن يشاركه غيره في صفاته ، تكبر عن أن يماثله غيره أو يشاركه أحد فيما اختص به سبحان اللّه عما يشركون . وفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم وانتزاع الاعتراف والتسليم ، هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [ الحشر : 24 ] وهو أعظم دليل كما تقدم ، وهو كما قال : دليل الإلزام ، لأن الخلق لا بد لهم من خالق ، وهذه قضية منطقية مسلمة ، وهي أن كل موجود لا بد له من موجد ، وقد ألزمهم في قوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ [ الطور : 35 ] ، وهذا بالسير ، والتقسيم أن يقال : إما خلقوا من غير شيء خلقهم أي من العدم ، ومعلوم أن العدم لا يخلق شيئا لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، والعدم ليس أمرا وجوديا حتى يمكن له أن يوجد موجودا . أم هم الخالقون ؟ وهم أيضا يعلمون من أنفسهم أنهم لم يخلقوا أنفسهم ، فيبقى المخلوق لا بد له من خالق ، وهو اللّه تعالى : الخالق البارىء . ولو قيل من جانب المنكر : إن ما نشاهده من وجود الموجود كالإنسان والحيوان والنبات يتوقف وجوده على أسباب نشاهدها ، كالأبوين للحيوان وكالحرث والسقي للنبات إلخ ، قوله تعالى : الْمُصَوِّرُ ، فهل الأبوان يملكان تصوير الجنين من جنس الذّكورة أو الأنوثة أو من جنس اللّون والطّول والقصر والشبه ؟ الجواب : لا وكلا ، بل ذلك للّه وحده ، هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ، كما قال تعالى : لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [ الشورى : 49 - 50 ] . وكذلك في النبات ، توضع الحبة وتسقى بالماء ، فالتربة واحدة ، والماء واحد ، فمن الذي يصور شكل النبات هذا نجم على وجه الأرض ، وذاك نبت على ساق ،